سهيلة عبد الباعث الترجمان

241

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وهو ما أشار إليه في المشاهد القدسية بأنه إذا كان الوجود الأول عين الوجود الثاني فلا عدم سابق لذلك ولا وجود حادث ، وقد ثبت حدوث العبد فقال : ليس الوجود الأول عين الوجود الثاني . كذلك قوله ، الوجود الأول كوجود الكليات ، والوجود الثاني كوجود الشخصيات « 1 » . فيكون والحال كذلك أن ما أورده ابن عربي من أمر الوجود وتوحيده يعتبر ردا على الافتراءات التي ألصقها به المنكرون عليه أقواله ، واتهامه بالقول بالحلول والاتحاد . وقد رد النابلسي عنه هذا القول عازيا ذلك إلى شدة جهل المنكرين عليه بمعاني الكلام : " فإن اللّه تعالى إذا كان عند العارفين هو الوجود المطلق الحق الذي به كل شيء موجود ، أي واقع عليه الوجود بحكم النظر العقلي ، لم يكن لشيء من الأشياء وجود بغيره سبحانه ، ولا به أيضا في نفس الأمر ، وتكون الأشياء حينئذ قائمة به في إمكانها بالوجود القديم الحق " « 2 » . ونعقّب على ذلك بالقول أن الوجود كما يراه ابن عربي هو واحد في الحقيقة ، لا شيء معه ، ومن الحق القول أن جلّ ما يقصده ابن عربي من الوجود ليس الوجود بمعنى الإيجاد ، " وإنما هو الوجود من حيث هو في حقيقته الذاتية ، وبقطع النظر عن تعيّناته الخارجية ، فهو المطلق الذي لا بشرط شيء ، وهو غير الوجود الذهني ، وغير الوجود الخارجي المتعين في أشخاصه وتعيناته ، إذ أن كل من هذين الوجودين أثر من آثاره ومظهر من مظاهره " « 3 » . وهكذا فإن هذا الوجود الواحد المطلق ، الذي بنى عليه ابن عربي فكرته ، والذي أقامه على أساس منطلقه التوحيدي القائم على الكتاب والسنة ، هو ما عرف لدى أصحاب هذه النظرية وخاصة تلاميذ ابن عربي وأتباعه من بعده بمذهب وحدة الوجود ، وهو ثمرة مجاهداته ورياضاته الروحية ، ونتيجة لكشفه الذوقي ومعرفته الوجدانية ، بعيدا عن كل أثر للفكر والعقل فما حقيقة هذه الوحدة إذن ؟ وما طبيعة مذهبه في وحدة الوجود ؟ .

--> ( 1 ) ابن عربي ، مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار ، مخطوط ، لوحة 17 ، رقم 8 ، ص 2 . ( 2 ) النابلسي ( عبد الغني ) ، كتاب الوجود ، مصدر سابق ، ص 356 . ( 3 ) يحيى ( عثمان ) ، الفتوحات المكية ، مرجع سابق ، ص 237 .